ابراهيم بن عمر البقاعي
26
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
والقلب لأن من قدر على مثل ذلك فهو قادر على غيره من أمثاله من خوارق العادات ، لأن الممكنات بالنسبة إلى قدرته على حد سواء ، لا سيما والذي ذكر أمهات الآيات كما سيومأ إليه إن شاء اللّه تعالى في سورة الأنبياء فَكَذَّبَ أي بها وَأَبى * أي أن يرسل بني إسرائيل ؛ وهذا أبلغ من تعديد ما ذكر في الأعراف ، فكأنه قيل : كيف صنع في تكذيبه وإبائه ؟ فقيل : قالَ حين لم يجد مطعنا مخيلا للقبط بما يثيرهم حمية لأنفسهم لأنه علم حقية ما جاء به موسى وظهوره ، وتقبل العقول له ، فخاف أن يتبعه الناس ويتركوه ، ووهن في نفسه وهنا عظيما بتأمل كلماته مفردة ومركبة يعرف مقداره : أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا هذه التي نحن مالكوها بِسِحْرِكَ يا مُوسى * فخيل إلى أتباعه أن ذلك سحر ، فكان ذلك - مع ما ألفوه من عادتهم في الضلال - صارفا لهم عن اتباع ما رأوا من البيان ، ثم وصل به بالفاء السببية قوله مؤكدا إيذانا بعلمه أن ما أتى به موسى ينكر كل من يراه أن يقدر غيره على معارضته : فَلَنَأْتِيَنَّكَ أي والإله الأعظم ! بوعد لا خلف فيه بِسِحْرٍ مِثْلِهِ تأكيدا لما خيل به ؛ ثم أظهر النصفة والعدل إيثاقا لربط قومه فقال : فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً أي من الزمان والمكان لا نُخْلِفُهُ أي لا نجعله خلفنا نَحْنُ وَلا أَنْتَ بأن نقعد عن إتيانه . ولما كان كل من الزمان والمكان لا ينفك عن الآخر قال : مَكاناً وآثر ذكر المكان لأجل وصفه بقوله : سُوىً * أي عدلا بيننا ، لا حرج على واحد منا في قصده أزيد من حرج الآخر ، فانظر هذا الكلام الذي زوقه وصنعه ونمقه فأوقف به قومه عن السعادة واستمر يقودهم بأمثاله حتى أوردهم البحر فأغرقهم ، ثم في غمرات النار أحرقهم ، فعلى الكيس الفطن أن ينقد الأقوال والأفعال ، والخواطر والأحوال ، ويعرضها على محك الشرع : الكتاب والسنة ، فما وافق لزمه وما لا تركه . ولما كان مجتمع سرورهم الذي اعتادوه حاويا لهذه الأغراض زمانا ومكانا وغيرهما ، اختاره عليه السّلام لذلك ، فاستؤنف الخبر عنه في قوله تعالى : قالَ مَوْعِدُكُمْ أي الموصوف يَوْمُ الزِّينَةِ أي عيدكم الذي اعتدتم الاجتماع فيه في المكان الذي اعتدتموه ، فآثر هنا ذكر الزمان وإن كان يتضمن المكان لما فيه من عادة الجمع كما آثر فيما تقدم المكان لوصفه بالعدل وَأَنْ يُحْشَرَ بناه للمفعول لأن القصد الجمع ، لا كونه من معين النَّاسُ أي إغراء ولو بكره ضُحًى * ليستقبل النهار من أوله ، فيكون أظهر لما يعمل وأجلى ، ولا يأتي الليل إلا وقد قضي الأمر ، وعرف المحق من المبطل ، وأنتم أجمع ما تكونون وأفرغ ، فيكل حد المبطلين وأشياعهم ، والمتكبرين على الحق وأتباعهم ، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر ، ويشيع في